• ×
الأحد 21 صفر 1441 | 1441-02-20
رسام نجد

انا ومدينة جده في عشر دقائق..!

رسام نجد

 0  0  1596
رسام نجد

إستيقظتُ من نومي كعادتي في تمام الساعة الخامسة إلا عشر دقائق.. فرنين ساعتي البيولوجية دائماً ما ينافس رنين المنبه؟!! ..حاولت جاهدةً إزالة الكسل والنعاس الذي لا أتخلص منه يومياً سوى بمعجزة !! .. وتذكرت ما قاله الشاعر السياسي أحمد مطر عن جرس المنبه: (صباح ذات يوم ، أيقظني منبه الساعة ، فقال لي : يا ابن العرب ، قد حان وقت النوم !..).. عيناي كانتا تحدقان إلى المنبه بإنتظار رنينه كالمعتاد في تمام الساعة الخامسة صباحاً ..وكانت الدقائق تمُرُ دون أن تتخلص من أثار أحلام اليقظة ومحاولة الرجوع إلى الواقع والروتين اليومي....... أغلقت رنين المنبه وكالمعتاد كانت المياه الباردة ملاذي لتُنهي ما تبقى من صراع النوم واليقظة.. ولكن ما كان ينهي حدة هذا الصراع دائماً ويقطع الشك باليقين رائحة فنجان القهوة الذي أعشق خلوتي به كل صباح.. وكأنه سر من أسرار حياتي الذي يعيدني لتوازني ويعطيني جرعات من القوة مع كل رشفة لأواجهَ بها نهاري المزدحم بالمهام على ألحان فيروزية حالمة.. أيقظت إبني إستعداداً للذهاب إلى مدرسته بعد محاولات مستميته مستخدمة بها كل طرق الإقناع الكلامية والتنفيذية.. وبعد أن أصبحنا جاهزين للخروج إستقليتُ وإبني سيارتي بعد أن ربطنا أحزمة الأمان متوجهين إلى مدرسته.. وحقيقة كنت أنظر للطرقات صباحاً بنظرة رضا وغزل لا حدود لها.. حيث كانت شوارع مدينتي أشبه بشوارع المدينة الفاضلة التي وصفها الفيلسوف الإسلامي أبو نصر محمد بن محمد (الفارابي) وذلك قبل ألف مائة عام!! .. والتي أصبحت حقيقة ملموسة بعد صراع طويل مع الأحلام !! .. فمدينتي يجد فيها المواطن والمقيم والزائر أرقى وأكمل أنواع الخدمات وبأسلوب حضاري بعيداً عن التعقيد وبعيداً عن الروتين ومن غير تسويف وبعيداً عن سوء التعامل... فمدينتي الجميلة مختلفة عن كل المدن.. فليس إختلافها فقط في مظهرها العمراني بل في كل شيء.. في المستوى الحضاري والسكاني والأداء الخدمي الحكومي والخاص.. مدينتي أساسها الإنسان.. نعم الإنسان نفسه.. سواء كان مسؤولاً أو موظفاً أو عاملاً أو مراجعاً.. كبيراً أم صغيراً رجلاً أو امرأة.. مواطناً أو مقيماً.. مدينة مختلفة في سلوكيات سكانها وأهلها الذين يقودون سياراتهم في شوارعها!!.. وسكانها الذين يمشون على أرصفة شوارعها.. وسكانها الذين يتسوقون في المحلات وفي المراكز التجارية وفي سلوكيات كل المراجعين... فالطرقات منظمة خالية من الإختناق المروري مع إنسيابية في عملية السير دون همجية.. كما أن جميع السائقين ملتزمين بأنظمة المرور والسلامة.. وفي حال الحوادث لا سمح الله فإن سيارات الإسعاف المجهزة تصل في زمن قياسي مع طائرة هليوكوبتر للإخلاء الطبي إذا لزم الأمر.. خصوصاً في ظل غياب التجمهر من قبل المواطنين وتصوير الجوالات.. و نجد أن الإبتسامة العريضة هي بصمة الأمل على محياهم.. الطرقات خالية بل تكاد تكون منعدمة من المستنقعات والحفر والحفريات وبؤر الفئران.. وبالطبع هذا بفضل الله عز وجل ثم بفضل أمانة محافظة مدينة جدة المتميزة والتي تعمل ليلاً نهاراً على التأكد بدقة وحرص من عدم وجود مشاكل في البنية التحتية.. فمدينتي الفاضلة لاتشاهد في شوارع مدنها «وايتات صالحة» نقل ماء الشرب تسير جنبا إلى جنب مع وايتات «الصرف الصحي» وتتنافس وتتسابق معها من حيث العدد والحجم والطلب!! .. مدينة تتنافس أحياؤها وشوارعها على الجمال وعلى النظافة وعلى النظام.. فهي مدينة يصعب على المرء أن يجد ملاحظة على هذه الشوارع.. مدينة تتيسر فيها كل سبل المواصلات على مدار الساعة بالطائرة.. أو بالقطار أو بالحافلات بأرقى وبأنظف ما يمكن أن يتصوره المرء أو يطمح إليه.. وبعد أن أوصلت إبني إلى مقر مدرسته التي لا أجد عندها أي إزدحام أو شجار بين أولياء الأمور بل سلاسة في إنتقال الطلاب إلى داخل المدرسة !! .. فمدينتي الفاضلة مميزة بمدارسها النموذجية وفي مناهجها الدراسية وفي المباني الراقية تصميماً ونظافة وصيانة.. وفي طريقة وانتظام حضور وانصراف الطلاب والمدرسين.. توجهت بعدها إلى مكتبي وكالمعتاد جميع الموظفين متواجدين في موعدهم بنشاط واضح وتملأ أعينهم نظرات التفاؤل والأمل والمنافسة الطاهرة وروح العمل كفريق واحد في جو خال من الظروف المستحيلة والصعبة والمشاحنات والأمراض المفاجئة من ألالام في(البطن، والظهر، والأرجل، والأصابع، وغيرها...) بعيداً عن متطلبات العادات والتقاليد التي تُحتم على أحدهم التأخر عن أداء أعماله على الوجه المطلوب مثل: (جارة أم السائق في الهند إنتقلت إلى رحمة الله وبالتالي نفسية السائق متعبة مما يؤثر على سلمة قيادته للسيارة !! ).. فمدينتي مدينة يتواجد فيها جميع مسؤولي وموظفي أجهزة الدولة في مكاتبهم في كافة القطاعات بدون استثناء من الساعة السابعة والنصف صباحا إلى الساعة الثانية والنصف ظهرا وهذا عملاً بوقت الدوام الرسمي الذي كتب في النظام !!! .. ليس فيها للرفض مجال سواء في الوظيفة أو التعليم أو حتى في الخدمة المطلوبة.. وبعد مراجعة أجندتي اليومية سُررت بأن جميع معاملاتي العالقة لدى وزارة التجارة وبعض من الدوائر الحكومية الأخرى أُنجزت وذلك بفضل أنظمة الخدمات الإلكترونية الحكومية المتطورة.. والتي لم تستوجب مني الذهاب شخصياً أو البحث عن واسطة أو معرفة لإنهاء معاملاتي.. أو التنقل بين الدوائر الحكومية.. كما أن إلغاء نظام الوكيل الشرعي للمرأة منذ سنوات طويلة كمتطلب إلزامي ساعد كثيراً في تقليص العديد من الإجراءات والأمور العالقة.. فمدينتي مدينة يتسم سكانها بحسن الخلق وتعامل سكانها بود وتآلف فيما بينهم ومع الآخرين.. مدينة يتسم فيها كل موظفي الأجهزة الخدمية فيها بسرعة الإنجاز في العمل وبدقة التنفيذ.. وباحترام المراجع من قبل المسؤول الصغير والكبير..مدينة لا يوجد في إداراتها شيء اسمه راجعنا بكره.. أو أحضر شهوداً أو هات صور بطاقة الأحوال أو آخر فاتورة كهرباء.. او أرسم كروكي المنزل او يطلب تعريفاً من العمدة ؟؟!! لايحتاج المواطن فيها إلى معرفة لكي يسهل ويسرع ويساعد في انجاز طلبه.. مدينة تختفي فيها كل صور مساوئ الخدمات في أي موقع ممكن أن يصل إليه المراجع أو الزائر..وكروتين يومي ونتيجة للإنضباط في العمل أخصص بعض من وقتي لتصفح بريدي الإلكتروني وموقعي على الفيسبوك وأُنهي جولتي بقراءة للصحف المحلية.. وتزداد سعادتي بالإعلام وحرية التعبير عن الرأي بشفافية ومصداقية وما يُلفت نظري أخبار مكافحة الفساد والفاسدين على كل المستويات والتشهير بهم ليكونوا عبرةً لمن يحاول أن يحذو حذوهم دون تمييز أو إعطاء حصانة لكائن من كان.. فمدينتي الفاضلة مدينة بلا مشاكل نقص خدمات.. بلا قضايا متأخرة.. وبلا حقوق ضائعة أو متأخرة او معاملات معطلة وأسعار عقار معقولة.. عموماً بعد أن أنهيت أعمالي توجهت إلى مدرسة إبني لإيصاله إلى المنزل وأُعلن إنتهاء يومي الوظيفي.. وفي الطريق توقفت في أحد المراكز التجارية لشراء بعض الأدوات الغذائية والإستهلاكية وحقيقة كنت أتمتع بكامل حريتي وأنا أتسوق حاجياتي التي لم تتجاوز أسعارها مئات الريالات كأسعار معقولة جداً ومنافسة وذلك بفضل سيطرة أنظمة حماية المستهلك.. وكانت موظفة الكاشيرفي قمة إحترافيتها وهي تمارس عملها بكل أريحية.. فمدينتي الفاضلة يتعامل سكانها وموظفوها وتجارها وكل الموظفين وكل الباعة في الأسواق فيها بمبدأ الصدق والصراحة والنزاهة والثقة وباحترام العميل وبالنظافة والنظام وبالابتسامة الدائمة..ليس فيها للمجاملات الاجتماعية والقبلية والأسرية أي مكانة إطلاقا في اي وقت وفي أي مجال فالسائد هو العدل الإسلامي والأنظمة والقوانين.. مدينة يتحقق فيها للنظام الاحترام الكامل من الجميع وهو احترام لا يقاس بحجم وهو احترام يشربه الطفل مع حليب أمه وتتغذى به الأجيال في نشأتها ..ولا يسرف أهلها ولا يبالغ سكانها في المناسبات والولائم.. أخيراً وصلت إلى منزلي.. وبعد أخذ قسط بسيط من الراحة ساعدت إبني في إسترجاع واجباته المدرسية وتركت له بعض من الوقت ليشاهد إحدى قنوات الأطفال الخالية تماماً من الألفاظ البذيئة والمعتقدات الدينية الخاطئة.. وبعد تناول وجبة العشاء ساعدت إبني على النوم باكراً.. كنت أريد مشاهدة أحد المسلسلات على إحدى القنوات التي تعرض مسلسلات هادفة بعيدة عن نمط المسلسلات التركية الهدامة التي تَضُر وتفتك بأخلاق المجتمع.. ولكن زوجي فضًل أن نذهب لمشاهدة فيلم جديد في إحدى دور عرض السينما بحكم أن اليوم التالي يوم عطلة بعد أن يُنهي سداد فواتير الكهرباء التي لا تنقطع أبداً خصوصاً في فترات الصيف.. وفواتير شركة الإتصالات والهاتف المحمول التي لا تخُطيء أبداً.. وفواتير شركة المياه الزهيدة جداً والتي أنعم الله علينا بها ولله الحمد........... وإذا بالمنبه يرن للمرة الثانية وأصحو من نومي لأجد الساعة الخامسة وعشرُ دقائق... مدينتي الفاضلة كانت حُلُم.. مجرد حُلُم... مدينة حُلم تكًونت في عشر دقائق !! .. عجزنا عن تحقيقه ولكن يظل حُلم أجيالنا القادمة.؟؟ .. سؤالي هو: أليست هذه كلها صفات إسلامية؟!!.. ونحن مسلمون ولله الحمد !! .. إذن لماذا لم تتحقق لنا هذه المدينة الفاضلة !!.. لماذا تَحَققَ في الدول المتقدمة أكثر من مدينة فاضلة.. ولم تتحقق لنا بعد.؟؟ .. متى إذن ستتحقق لنا هذه المدينة الفاضلة؟؟ .. أخيراً.. من يجيبنا على تلك الأسئلة؟؟

د/ نوف الغامدي

بواسطة : رسام نجد
 0  0
التعليقات ( 0 )
أكثر

جديد الأخبار

أكدت المملكة العربية السعودية التزامها بمواصلة جهودها لتعزيز وحماية حقوق الإنسان، وحرصها على التعاون مع الأمم المتحدة والمجتمع الدولي والمنظمات..

تصميم وتطوير  : قنا لخدمات الويب

Powered by Dimofinf CMS v5.0.0
Copyright© Dimensions Of Information.

كل مافي هذه الصحيفة خدمة لكم ،، ونسعى للأفضل ،، وجميع الحقوق محفوظة لأصحابها