• ×
الخميس 17 ربيع الأول 1441 | 1441-03-16
نجلاء ال عوض

غياهب

نجلاء ال عوض

 0  0  1976
نجلاء ال عوض
بقلم.. د/ نجلاء آل عوض

"رقم خمسة.. الأخت رقم خمسة"، رفعت أريج يدها حاملةً الرقم خمسة، وبصوتها الناعم الخافت تجيب على الموظفة، قائلة: "نعم موجودة أنا المتقدمة رقم خمسة"، اقتربت منها الموظفة بملامحها الحادة, وبشرتها الحنطية، تزمّ عن شفاه معجونة باللون الأحمر الصارخ، ترمقها بازدراء، وتقول: "ولكن أنتم لستم مدرجين ضمن المطلوبين لهذه المسابقة الوظيفية المعلن عنها"، قطّبت أريج جبينها واعتدلت في جلستها، وقالت: "من تقصدين بأنتم؟!"، ردت الموظفة بارتباك: "يعني أنتم لا يحتاج الأمر إلى توضيح أكثر"، ابتسمت أريج بسخرية رافعة حاجبيها بعد لحظة صمت، قائلة: "تقصدين نحن ذوي الإعاقة؟"، أشاحت الموظفة بناظريها ولم تنبس ببنت شفة، قد تكون إجابة هذه الموظفة أرحم بكثير من إجابات سمعتها أريج عند كل مرة تذهب فيها للبحث عن عمل، لتردف قائلة: "هل هذا الكرسي المتحرك حكم علي بعدم الكفاءة؟ أخبريني ما الفرق بيني وبين كل هؤلاء المتقدمات؟ إنني أملك شهادة جامعية مثلهن، ولديّ دبلوم أعمال مكتبية، وأجيد اللغة الإنجليزية بطلاقة، ولديّ مهارة في كتابة الأبحاث العلمية لا سيما أنني أقضي معظم وقتي بين رفوف المكتبات أقرأ بنهم لأغذي عقلي السليم الذي قد يتفوق عليهن جميعاً، وأنتم كمركز أبحاث لا أعتقد أنكم بحاجة إلى أكثر من ذلك؛ إلا إذا كنتم ستؤهلون الباحثات للعب في إحدى أندية كرة القدم فهنا أعتذر قدماي لا تسعفني على القيام بذلك"، علَت أصوات الضحك قاعة الانتظار من تلك الجملة الساخرة، ارتبكت الموظفة واكفهرّ وجهها، وقالت بصوت عالٍ: " أنا لست مسؤولة ولا أملك قرار لتعبّرين لي عن امتعاضك، أنا مجرد موظفة أنفذ التعليمات الموكلة إليّ، رجاء لا تضيعين وقتي"، ثم أدارت جذعها لتهتف بصوت حانق: "الأخت رقم ستة تتفضل معي بسرعة".
عادت أريج إلى المنزل حاملة في صدرها ضجيج خانق، وكومة من الدموع المحبوسة في عينيها، لتستقبلها والدتها عند الباب واقفة كغصنٍ مائل أرهقته السنين ملتفّة برداء الصلاة، وتسأل: "بشّري يا ابنتي، طمنيني هذه المرة"، ردت أريج بابتسامة مصطنعة مثل كل مرة تخفي فيها الحقيقة الموجعة: "اطمئني يا أمي، كانت المقابلة جيدة ووعدوني خيراً، المتقدمات لها كُثر، والمفاضلة بيننا صعبة بعض الشيء، والخيرة فيما يختاره الله"، قالت الأم: "الحمد لله، الله يجعل لك فيها نصيب يا رب، ارتاحي قليلاً حتى تحضر لك العاملة وجبة الإفطار"، ردت أريج: "لا يا أمي شكراً، تناولت إفطاري هناك، والآن لا أريد سوى أنا أنام فقط"، بالفعل تناولت وجبة دسمة من الكلمات والنظرات المستفزة التي كانت مثل السم الزعاف.
دخلت أريج حجرتها وأغلقت خلفها الباب لتستفرد بالألم والغصة التي في قلبها من كل شيء حولها، فقدت السيطرة على مشاعرها لتنهمر دموعها على خديها بحرقة، باتت وسادتها مرتعاً للعبرات، لكل عصرة غضب ووجع، للأنفاس اللاهثة، والصراخ الأخرس، في قلبها جرح كبيرة من هذا المجتمع البائس الذي يهوى نعت كل حالة وكل شخص بما يراه هو، ويتفنن في إلصاق وصمة على كل ما هو مختلف عنه ولا يقبله عقله المحدود ونظرته القاصرة، يركزون على شيء واحد ويبالغون في تهويله بصورة بعيدة حتى عن الرضا بما كتبه الله والذي لا يعد عيباً ولا نقصاً، متناسين كل المزايا الأخرى!. بكت أريج حتى نامت وفي رأسها جدال وصراع وأحداث لم تنم.
عند الساعة السادسة مساءً استيقظت أريج على صوت رنين الهاتف الذي لم تعره أي اهتمام، بقيت على فراشها تسترجع ما دار من أحداث شعرت بها أثناء نومها كأنها حلم من شدة استغراقها في النوم.. أصوات منبعثة من عند الجيران، طرْق باب الحجرة تناديها والدتها لتناول الغداء والذهاب معها لحضور عقيقة ابنة خالتها ورفضها الذهاب، ليس هناك ما يدفعها للقيام بأي شيء سوى البقاء في مكانها أطول مدة. أمسكت بهاتفها المتنقل لإلقاء نظرة على الرسائل التي وصلتها لتجد رسالة من صديقتها لجين، فحواها: "أهلاً.. كيف كانت المقابلة؟ ابنة عمي رقية تلك الكفيفة أخيراً حصلت على وظيفة معلمة في تحفيظ القرآن، كانت تتمنى عملاً يناسب تخصصها الجامعي ولكن هذا ما توفر لها، العقبى لنا يا عزيزتي". أغلقت أريج الرسالة دون رد، لقد استهلكت طاقتها طوال الصباح بما فيه الكفاية ولم تعد لها رغبة في الحديث مع أي أحد ولا عن أي شيء، وجدت اتصال من رقم غير مدوّن الاسم.. رقم غريب، تأملته وفي نفس اللحظة رن الهاتف لتجد نفس الرقم يتصل، ولكنها لم تأبه به، فكّرت قليلاً وقالت في نفسها: "ربما يكون اتصال من مركز الأبحاث يخبروني عن منحي فرصة لدخول المقابلة الشخصية لما وجدوه في سيرتي الذاتية من مزايا تتوافق وشروطهم"، غلبها التردد حتى انقطع الاتصال، لكن سرعان ما تكرر الاتصال مرة أخرى من نفس الرقم، وهذه المرة ردت بصوت يملأه الأمل والترقب: " أهلاً"، لتسمع صوت امرأة تتحدث بهدوء ووقار: "أهلاً بك.. حضرتك أريج فهد؟"، أريج: "نعم.. من معي"، ردت المرأة: "معك الدكتورة سلمى خالد، اتصلت بك لأمرٍ ما، وأنا في عجلة من أمري، للأمانة سمعت عن سعة اطلاعك ومهارتك البحثية وهذا ما يهمني الآن، حيث أنني بصدد ترقية والباحثين الذين أتعامل معهم وأثق بهم في كتابة أبحاثي مشغولين جداً، يبدو أن الرغبة في الحصول على ترقيات هذه الفترة على قدمٍ وساق، لا عليك بعد انتهائك من الكتابة ستتم مراجعتها من قِبَلي، المهم أن يتم كل ذلك بسرية تامة"، صمتت أريج للحظة ثم قالت: "لديّ سؤال يحيرني، هل تقبلين أن تحصلين على ترقية ورتبة وظيفية تتقاضين عليها أجراً بهذه الطريقة؟"، ضحكت الدكتورة وقالت: "ما زلتِ صغيرة يا عزيزتي لا تعرفين ماذا يجري في الواقع، لا أستطيع أن أحصي لك أعداد من يقومون بمثل ذلك، على الأقل أفضل بكثير من الذي يحملون لقب دكتور ويحتلون مناصب بشهادات وهمية لا أساس لها، وكل الحملات ضدهم تموت قبل أن تكمل مسيرتها إليهم، لا داعي لذكر تفاصيل أكثر، دعينا نتفق حول موضوعي"، سعت الدكتورة في إقناع أريج وإخماد ثورة ضميرها المتيقّظ بأعذار ملتوية، اضطرت أريج للموافقة على مضض، فالفرصة مغرية وهي بحاجة إلى ملء وقتها بشيء تجد نفسها فيه وتحبه وتكتسب مهارة واطلاع أكبر. وبالفعل أنجزت أريج البحث والذي نالت عليه ثناء واسع من الدكتورة سلمى بعد أشهر من العمل الدؤوب والاجتهاد والتعمق في المراجع العربية والأجنبية.
وبعد مضيّ عدة شهور وبينما أريج جالسة على أريكتها الرمادية أمام شاشة التلفاز، إذ برسالة تصلها على هاتفها من الدكتورة سلمى تبشرها فيها بأن البحث الذي أعدته لها قد حصل على جائزة ودعم مادي كبير من مركز الأبحاث (....)، فجأة شعرت أريج بالدهشة وأن أمام عينيها غشاوة لا تجعلها تبصر الحروف جيداً، دبيب يسري في عروقها، ابتلعت ريقها واعتدلت في جلستها محاولةً التحديق أكثر في الرسالة، عاودت قراءتها لعلها تستوعب وتصدق ما تقرأه، وقالت في نفسها: "أليس هذا مركز الأبحاث الذي كنت فيه قبل سنة ورفضوا حتى دخولي للمقابلة بحجة أنني من ذوي الإعاقة؟"، كانت المفاجأة كبيرة لم تكن في الحسبان، ارتمت أريج بجذعها على الأريكة، أسدلت عينيها على صور عشرات الكتب والمراجع، ومئات الصفحات وآلاف الكلمات، والكثير الكثير من القهر والألم، لتخرج من صمتها وتتمتم في سرها: "لقد صدقَت دعوتك يا أمي حين قلتي الله يجعل لك نصيب فيها يا رب، نعم.. كان لي أوفر النصيب ولكن عن طريق أحداً غيري!!".





*الأحداث والشخصيات من وحي الخيال
.
 0  0
التعليقات ( 0 )
أكثر

جديد الأخبار

بحضور سعادة مدير فرع وزارة العمل والتنمية الإجتماعية بمنطقة تبوك الدكتور محمد الحربي ، انطلق صباح اليوم الثلاثاء برنامج "ملتقى تبوك..

تصميم وتطوير  : قنا لخدمات الويب

Powered by Dimofinf CMS v5.0.0
Copyright© Dimensions Of Information.

كل مافي هذه الصحيفة خدمة لكم ،، ونسعى للأفضل ،، وجميع الحقوق محفوظة لأصحابها