• ×
الإثنين 21 ربيع الأول 1441 | 1441-03-21
منال عبدالله الحجيلي

الضمان الاجتماعي في الفقه الإسلامي

منال عبدالله الحجيلي

 6  0  2707
منال عبدالله الحجيلي
بقلم/منال عبدالله الحجيلي

كفلت شريعة الإسلام العيش الكريم لكل من يقيم بأرضه، ويخضع لحكمه، وينعم بعدله وبره من المسلمين وغيرهم، وألزمت ولاة الأمر بتوفير حد الكفاية لا حد الكفاف لرعاياهم من المأكل والمشرب والملبس والمسكن، وجعلت من سمات المؤمنين: (وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا)، وكذلك (فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ، لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ).. ومن هنا يمكن تعريف "الضمان الاجتماعي" بأنه التزام من ولي الأمر المسلم نحو جميع الخاضعين لولايته أيًا كانت دياناتهم أو جنسياتهم، وذلك بتقديم المساعدة للمحتاجين منهم في الحالات الموجبة بتقديمها كمرض أو عجز أو شيخوخة، متى لم يكن لهم دخل أو مورد يوفر لهم حد الكفاية.

ولقد أوضح الفقهاء القدامى وعلى رأسهم شيخ الإسلام ابن تيمية مدى اهتمام الإسلام بالضمان الاجتماعي ممثلًا في مؤسسة الزكاة، وكيف أنه لا يمكن أن تستقيم العقيدة وتنمو الأخلاق إلا بتضامن المجتمع وتكافله، وهناك توجيه نبوي صادق للحث على التضامن والتكافل بين المسلمين لقوله ﷺ: «خير الناس أنفعهم للناس» رواه الطبراني، كما قال رسول الله ﷺ في الحديث المتفق عليه: «كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْؤول عَنْ رَعِيَّتِهِ، الإِمَامُ رَاعٍ وَمَسْؤولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ»، كما بيَّن رسول الله ﷺ مسئولية ولي الأمر تجاه الفقراء والمحتاجين، وإعالتهم في الحديث الذي أخرجه الإمام مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «أنا أوْلى بالمؤمنين في كتاب الله، فأيكم مَّا ترك دينًا وضيعة (عيالًا) فادعوني فأنا وليه».
والسؤال الذي يفرض نفسه هنا: من هم الذين يشملهم الضمان الاجتماعي في الإسلام؟
إن الضمان الاجتماعي لجميع الفئات التي يرى بيت مال المسلمين أنها تستحق المعونة وهم: كل من ليس له عائل من الأرامل والمطلقات والأيتام والمرضى العاجزين عن القيام بعمل الكسب العيشي لأنفسهم ولمن يعولون والشيوخ الذين تجاوزت أعمارهم الستين والعاجزين كليًا من ذوي العاهات وأسر المفقودين وأسر السجناء والعاطلين عن العمل لأسباب خارجة عن إرادتهم، والمرأة التي هجرها زوجها لأكثر من سنتين، والطلبة الذين تفرغوا للعلوم النافعة للمسلمين وهم من أهل الحاجة وذوي الدخول الضعيفة، وابن السبيل الذي يحتاج إلى معونة لتكملة سفره وبلوغ بلده، والمدينين الذين استدانوا لمصلحة عامة أو خاصة نابعة من أمر مشروع، كذلك يستحق إعانة بيت الزكاة كل مهتد دخل الإسلام حديثًا أو يوشك أن يدخل فيه لترغيبه بذلك.
ومن هنا نلاحظ في مجال الحالات التي يغطيها الضمان الاجتماعي أن الفقه الإسلامي يتميز من وجوه عدة، أبرزها المرونة والسعة، فأما من حيث السعة فإن النظام يميل إلى الوفاء بمقتضيات الضرورة وحالات العجز عن الاكتساب، وبهذا فالحالات التي يغطيها الضمان الاجتماعي في الفقه أوسع كثيراً مما تنص عليه الأنظمة الأخرى، لأن منهج الفقه في تقرير الفئات المستحقة يتجه نحو وضع قاعدة عامة وهي الفقر الذي يقاس بعنصري الحاجة والعجز عن الاكتساب.. لذا نجد أن الفقه يدرج في الضمان الاجتماعي فئات كثيرة بقاسم عام مشترك، وبالنظر إلى شروط استحقاق الضمان الاجتماعي نجد أن الفقه الإسلامي لم يهتم بوضع شروط وقيود مفصلة لذلك، إنما اقتصر على الأوصاف والشروط العامة.
وعلى الحكومة وعلى الأغنياء إذا لم يدفعوا الزكاة لبيت المال أو دفعوها ولكن بقيت حاجة ماسة أن يساهموا متعاونين مع الحكومة لصالح الشعب لأن المسلمين كالجسد الواحد.
ولا شك أن من حق الشيخ الكبير والعاجز والأعمى على المجتمع المسلم إيجاد الرعاية التامة لهم والعناية بهم ليشعروا بأخوة الإسلام وكرامة الإنسان، والإسلام بتشريعه الخالد ومبادئه السامية قد رعى حقوق هؤلاء، ففرض لهم رواتب كريمة من بيت مال المسلمين يستعينون بها على التكاليف وأعباء الحياة، ومن مظاهر الرعاية بكبار السن من العاجزين وغيرهم فرض رواتب التقاعد ــ المعاش ــ الذي يأخذه موظف الدولة بعد أن يخدم فيها فترة معينة، ولقد رفعت المملكة هذه الرواتب حتى أصبحت كفيلة - بعد الله - بتأمين الحياة الهانئة المطمئنة لكل متقاعد، ومن أمثلة فرض الرواتب للعاجزين والشيوخ في الشريعة الإسلامية ما رواه "أبو عبيد أن الخيار بن أوفى النهدي مرَّ على عثمان رضي الله عنه فقال: (كم معك من عيالك يا شيخ؟ فقال: إن معي كذا وكذا فقال: قد فرضنا لك كذا وكذا ولعيالك مائة مائة)".
ومن المعلوم أن الشريعة الإسلامية سباقة في التوجيه للخير والعطاء وعلى ذلك نحت معظم الدول منحى الشريعة الإسلامية، وعلى رأسها المملكة العربية السعودية التي وضعت للضمان الاجتماعي نظام خاص فيه، وذلك بصدوره في عام 1427هـ بمرسوم ملكي رقم (م/45).
وعلى ذلك فقد نصت المادة الثالثة من ذات النظام على أنه: (يستفيد من المعاش كل من الأفراد أو الأسر الآتية: اليتامى، العاجزون عن العمل، من بلغ سن الشيخوخة..)، وكل ذلك مراعاة لاحتياجات شعبها ومواطنيها، وهذا ليس غريبًا على المملكة التي لطالما استمدت أحكامها من الشريعة الإسلامية وجعلتها مصدرًا أساسيًا لقوانينها.
 6  0
التعليقات ( 6 )
الترتيب بـ
الأحدث
الأقدم
الملائم
  • #1
    ابو مالك 1439-07-08 09:52 مساءً
    ما شاء اللة تبارك كلام جميل جدا يستفيد منه كل صاحب حق في الضمان الاجتماعي. شكرا. مسدده إن شاءالله..
  • #2
    ابو مالك 1439-07-08 06:31 مساءً
    كلام جميل ومعلومه يجب ان يعرفها كل مواطن يحتاج خدمات الضمان الاجتماعي الذي تدعمه الدوله دعم كبير خدمه لهذي الفئه الغاليه من أهلنا والمطالبه لحقوقهم عمل وإنساني. شكرا وبارك الله فيك..
  • #3
    الحربي 1439-07-08 04:44 مساءً
    ماشاء الله كلام ‏قمة في الإبداع
  • #4
    مريم 1439-07-07 10:02 مساءً
    بارك الله فيك
    سلمت أناملك
  • #5
    الجهني 1439-07-07 09:16 مساءً
    الحمدلله على نعمة الاسلام .. مقال مميز جزاكم الله خير ونفع الله بكم الاسلام والمسلمين .
  • #6
    أم ريمان 1439-07-07 08:20 مساءً
    ماشاء الله تبارك الله كلام
أكثر

جديد الأخبار

أطلق على الحالة المطرية في السعودية مسمى "غيث"، بحسب ما أكده الباحث في علوم الطقس والمناخ وعضو لجنة تسمية الحالات المناخية المميزة في..

تصميم وتطوير  : قنا لخدمات الويب

Powered by Dimofinf CMS v5.0.0
Copyright© Dimensions Of Information.

كل مافي هذه الصحيفة خدمة لكم ،، ونسعى للأفضل ،، وجميع الحقوق محفوظة لأصحابها