• ×
السبت 13 ربيع الثاني 1442 | 1442-04-13

حكاية سندباد

حكاية سندباد
 
اعداد. زكيه القرشي
الراوي.عدنان الدوسري- الكويت






إلى تلك التي ملأت حياتي طعما أخر ... لن أبوح باسمك ليبقى مزروعا بذاكرتي

تلك المدينة... وذلك الشاطئ وطيور النورس وهي تحوم فوق أمواجه وعند أول إطلاله لشهر ابريل... تبدأ شمس بغداد بنسيج خيوطها على جبين زقاقنا الجميل لتنعم علينا بشمسها الحنينة. وذلك. الشاطئ الممتد. وتلك الزوارق الخشبية وأصحابها يدمنون على التجديف كما يدمنون على إحزانهم التي تخترق شغاف قلوبهم. كم أنا مشتاق لكِ يا بلدتي الصغيرة. أكتب إليك.
وأشد ما أكون في حاجة إليك من أي وقت مضى أتمنى أن ارتدي كنزه من لينة شمسك الحنونة وعفراء أرضك. أتمنى أن تصبح أجسادنا متلاحمة. أيتها المدينة الهادئة التي تطل برأسها على عروس نهر دجلة التي مازالت الجميلة برغم حزنها لفراق أحبتها. برغم ما مر بنا.
هناك... ما بين السحب المحملة بالأشواق التي تدفعها العواطف كتلك النقوش العباسية المرسومة على شنا شلها العتيقة... تطل علي بين الحين والآخر

(حبيبتي) لم تنأى بنفسها عني فتحيل أيامي حزنا لفراقها... ثم تعود لتطل علي بأحلامها الطفولية لتعيد لنا بولادة قمر جديدا أرى بعيونها السوداء وذاك الحور الذي أغوص بمداره. اشتاق حينها إلى جسورها القديمة ... أيتها الشفافة التي لم أستطع أن أزورك منذ سنين طوال أو حتى الوصول إلى أسرار قلبك. وأنا الصعلوك المحترف الذي اعتاد فتح قلوب المدن الكبيرة كصياد ماهر... كنت كسيف محارب عربي متمرد... كدمع الشموع حين يسيل... كنت كطيور القطا. أجازف بكل عواطفي... (كحادي) أبل يضيع في صحرائه الأخيرة... لعلّي أصل إلى خصلات شعرك الغجري المتناثر الأطراف لأطبع قبلة على جبينك العالي كجبين الشمس الطالعة من وراء الأفق بعد أن أضع زهرة الجوري بين طيات شعرك الأسود المتدلي على كتفيك... صباح كل يوم.
أسير مسرعاً قادماً إليك...أحمل أحلامي عن الأطفال والسلام والجياع... وأفكاري مبعثرة كحطام سفينة مزقتها الأمواج... ربانها مخمورين حتى الثمالة. أما نقطة ضعفي التي لا مفر منها. فهي أشعاري التي تمزقني بين حين. وأخر. لم يعد لي رغبة فيها...

أيتها المدينة التي تغضبني وأراضيها... وأغضبها وتراضيني...

نسهر مع بعضنا كل ليلة... هناك... نجلس معا على الكورنيش الذي مازال يحمل هموم العاشقين... وأطراف أقدامنا العارية تلامس سطح الماء فتعطي للماء شكلا أخر فتتشكل ألوف الدوائر على سطح الماء كأنها ترسم حول محيط خصرك الذي تجتمع حوله كل العصور... أصابع يديك الشمعية بين أصابع يدي... أخشى عليها من لظى شفتي المحترقتين اقبلهما. وانسج من قبلاتي خيوط شمسي... وعيناي في عينيك. أقرأ فيهما تراتيل أم الكتاب.
أيتها المدينة التي اخترقتني فتركتني كحطام قصور متناثرة قديمة لم يبق منها إلا أعمدتها الشاخصة... أرجوك... أعطني فرصة إضافية للقاء... فاحتمال الرحيل أصبح مؤكدا ولم يعد هنالك متسع للتسلية والإثارة... أنا المقامر الذي اعتاد المجازفة في كل شيء. حتى في عمره. أقف اليوم على أبوابك. تائبا. حيث ينتظر الألوف دورهم ليسرقوا وجهك القمري المتناثر الأطراف... أيتها الطالعة من المجهول كحقيقة... وخيالك بات يشكل عندي حقيقة مفادها حياتي... تلك اللحظات الجميلة التي ضاعت ما بين أطلال هذا الوطن الذي مزقته العمائم والسياسات... وبين حبيبة ضيعت نفسها وضيعتني... ضيعت أجمل لحظات قضيتها على أرض هذا الوطن ذو الجرح الدامي... وضاع معه كل شيء.
كشجرة السدر التي كتبنا عليها أجمل ذكرياتنا يوم كنا نجلس هناك بين إطلال الأشجار وعلى ضفاف نهرك الجميل فيما تفوح رائحة (السمك المسكوف) من هنا وهناك... كان هذا في بغداد
يا مدينتي... سامحيني إذا أعلنت فشلي وانسحابي... ونكثت بوعودي... فلقد قررت الالتجاء إلى مغارة الماضي السحيق... علّي ان أعود بالزمن إلى الوراء قليلاً... علّي أعود طفلاً صغيراً لا أعرف من الحياة إلا صورتك البهية ولا أرى خارج حدود بيتي... انسج بيتاً من خيال ستائره وردية وجدرانه مصنوعة من فرط الرمان... حينها ستجدينني يوماً واقفاً على أبوابك كمراهق صغير... لأخبرك عن أشياء لم أخبرك بها من قبل... هناك على الرصيف المؤدي إلى الوطن الذي تركناه جريحاً هناك... يعالج نفسه وأبناءه... ويصارع شلل الحاقدين والمفسدين بصبر وعزيمة... سأكون هناك بانتظارك يا مدينتي ...هناك في عند بوابة الفجر

بقلم عدنان الدوسري
شاعر وكاتب عراقي مقيم في الكويت



 0  0  1933
التعليقات ( 0 )
أكثر

جديد الأخبار

أكد تحالف دعم الشرعية في اليمن، يوم أمس الجمعة أن ميليشيات الحوثي المدعومة من إيران تهدد أمن الملاحة البحرية. وأعلن أنه تمكن من اكتشاف وتدمير..

للمشاركة والمتابعة

جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 05:38 صباحاً السبت 13 ربيع الثاني 1442.

تصميم وتطوير  : قنا لخدمات الويب

Powered by Dimofinf CMS v5.0.0
Copyright© Dimensions Of Information.

صحيفة سعودية وحاصلة على ترخيص رسمي من وزارة الثقافة والإعلام.تعمل في مجال الإعلام الإلكتروني كل مافي هذه الصحيفة خدمة لكم ،، ونسعى للأفضل ،، جميع الحقوق محفوظة للصحيفة