• ×
السبت 9 صفر 1442 | 1442-02-07

اسوار من حجارة

اسوار من حجارة

اعداد. زكيه القرشي
الراوي. ردة بن سعيد الحارثي.

تلك هي قريتي الصغيرة التي تربيت فيها مراحل عمري الأولى ومسقط راسي.
عبارة عن مجموعة ابيات ملتصقة ببعضها البعض وأسطحها التي تكاد تكون ايضا واحدة لولا الحاجز الحجري الذي يفصل كل سطح عن الآخر ويتميز في زخارف بالحجارة الملونة... الأبيض والأسود ...في تباهي عندما يراها القادم من بعيد.

وتلك القرية محاطة ببنائها الجميل وسور يحميها من مطامع الاعتداء من اي عدو في تلك الحقبة. وبالرغم من انه لا يوجد في ذلك الزمان كليات هندسة معمارية... المكاتب هندسية.... الا ان تلك الأيادي المعمارية في ذلك الوقت كانوا بارعين في التخطيط المعماري والزخرفة سواء في الأبواب او الشبابيك مع مراعاتهم لمنافذ التهوية وتجدد الهواء في تلك الأبنية.

وكما أسلفنا ان القرية محاطة بسور مرتفع وله بابين أحدهما جنوبي والاخر شمالي تقفل هذه الابواب عند صلاة المغرب ولا تفتح الا في الصباح عندما يستيقظون أهل القرية لمزاولة اعمالهم من رعي وزراعه. ...ففي كل صباح يتقابل أهل القرية كلا خارج من منزلة لكسب قوته وكلا لما يسر له الله، وايضا النساء اللواتي يقمن بحلب الأغنام لتخزين الحليب وصناعة اللبن منه والسمن وهو لا يكاد يخلو منه اي بيت، فالكل يمتلك أغنام حتى وان كان لديه مجال آخر لان الغنم تعتبر مصدر رئيسي للاعتماد عليه في معيشتهم.

ثم إن النساء بعد الإشراق يقمن بتنظيف أزقة القرية في عمل جماعي حتى تصبح الممرات التي بين البيوت نظيفة. بعد ذهاب الرجال لأعمالهم اليومية ويتفرغ النساء في قضاء الاعمال المنزلية ثم تلحق كل زوجة وابناءها بزوجها بعد الانتهاء من عملها المنزلي لتساعد زوجها سواء في المزرعة او الرعي.
وللقرية طابع فريد في العمل الجماعي على كافة المستويات مما يعزز من تكاتفهم ومحبتهم لبعضهم البعض.
وللزواج طابع جميل حيث ان البنت التي تتم خطبتها ويعلن زفافها ويحدد من قبل أهل الزوجة وأهل الزوج. يقمن النساء في الليلة التي تسبق الزواج بالتجمع في بيت العروس لتزبينها بالحناء وعمل البروفات للبس الزواج وسط أهازيج وقصائد لإحياء تلك الليلة ومشاركة العروسة فرحتها فيما ان الرجال أيضا يجتمعون في بيت أحد اقرباء العروسة أيضا يحيون ليلهم باللعب والقصائد التي تستمر حتى حدود الساعة العاشرة ثم يعود الجميع الى منازلهم.
بعد ذلك في الصباح كل النساء يذهبن بما عملن من افطار إلى بيت العروس ويساعدونها واهلها في ترتيب ما تحتاجه العروس في بيت الزوجية ويجلسون معها حتى العصر وهذا الوقت هو وقت رحيل العروس من القرية إذا كانت متزوجة من قرية اخرى.

مازالت ذاكرتي تحتفظ بهذا المشهد الذي شهدته على آخر عمر قريتنا. فتجد النساء في وداع العروسة في جو مليء بالبكاء والعويل وخاصة من أقران العروسة واقاربها. وهي تحمل على ظهر جمل وقد زين هذا الجمل وعدد من الجمال بزينة تخصص في مثل هذه الاحتفالية إضافة إلى ما يسمى بعفش العروس في زمننا، كنا نرى العروس وكأنها تساق إلى حتفها ليس إلى بيت الزوجية.
فنجد كل نساء القرية حزينات على فراقها وكأنهن لن يشاهدونها مرة أخرى.


هذه صورة مختصرة عما كان يدور في أروقة قريتي الصغيرة التي كانت تحاط بأسوار من حجارة في داخلها الألفة والمحبة ولا زالت تعيش معي تلك الصور الجميلة التي لا يتسع الوقت ولا الكلام ليفي بكل ما يدور خلف تلك الأسوار التي كل ما اشتاق إليها اذهب اليها وامشي في ازقتها وادخلها بيتا... بيتا الذي أتذكر فيها رجال ونساء كانوا يعيشون تحت تلك الأسقف البسيطة المتواضعة الغنية بعبق الماضي الجميل الذي احن إليه كحنين الخلوج إلى وليدها. فكم لماضينا من جمال عندما نتذكره نعود بأنفسنا إلى طفولتنا وزمننا الجميل.
ولقصتي خلف اسوار قريتي بقية وبقايا من حنين وذكريات
بواسطة :
 0  0  2227
التعليقات ( 0 )
أكثر

جديد الأخبار

افتتح القنصل العام لجمهورية لبنان بجدة – السيد/ وليد منقاره وبحضور عدد من المسؤولين ورجال الاعمال ووجهاء واعيان محافظة جدة ورجال الصحافة والإعلام..

للمشاركة والمتابعة

جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 01:03 صباحاً السبت 9 صفر 1442.

تصميم وتطوير  : قنا لخدمات الويب

Powered by Dimofinf CMS v5.0.0
Copyright© Dimensions Of Information.

صحيفة سعودية وحاصلة على ترخيص رسمي من وزارة الثقافة والإعلام.تعمل في مجال الإعلام الإلكتروني كل مافي هذه الصحيفة خدمة لكم ،، ونسعى للأفضل ،، جميع الحقوق محفوظة للصحيفة