• ×
السبت 9 صفر 1442 | 1442-02-08

مواكب الحجيج

مواكب الحجيج


مواكب الحجيج
من الستينات الى التسعينات الهجرية من القرن الماضي


اعداد. زكيه القرشي
الراوي. خالد ابوالجدائل

العودة الى ذكريات الماضي من الاشياء الجميلة جدا التي يتحدث عنها الانسان كأنه يعيد مشاهدة فيلم لم يراه منذ عقود فكيف الحديث عن الركن الخامس من اركان الاسلام الا وهو الحج
من ذاكرة والدي رحمه الله
لوالدي رحمه الله صلاح سنوسي ابوالجدائل ذكريات جميلة عن الحج وخصوصا ايام قوافل الحجيج باستخدام الدواب (الحمير والجمال) وحكَ لي كيف كانت ظروف الحج وكيف كان اهل جدة وبناء على وصفه ينقسمون اهل جدة الى أربع فئات:
•الفئة الاولى هم ملاك العربات الكرو اغلب العاملين في هذه المهنة الشريفة تذهب الى مكة طلبا للرزق خلال فترة الحج وخصوصا ان الحركة التجارية والحياة العملية في جدة تقل بعد ذهاب الحجاج الى مكة بينما الوضع في مكة أفضل بكثير جدا والعمل مضمون
•الفئة الثانية التي تبقى في جدة لظروفها وخصوصا الاطفال الذين لم يبلغوا الحلم وكبار السن والسيدات وبعض رجالات الحارة القائمين على شؤنها
•الفئة الثالثة وهم الداجين اي العاملين في مجال التجارة خلال فترة الحج وهو المعنى الصحيح لكلمة داج وليس كما يعتقد العامة بان المقصود منها البقاء فمعنى حاج او داج يعني هل سوف تذهب للحج ام للتجارة فكما يقال كل في سوقه يبيع خروقه
•الفئة الرابعة هي التي تتوجه الى مكة لأداء فريضة الحج وقد قدر الله لوالدي رحمه الله الذهاب الى مكة المكرمة للعمل واداء فريضة الحج عدة مرات وروى لنا كيف كان طريق جدة مكة فترة الحج باستخدام الدواب وبعض الظروف المناخية التي مرت عليهم اثناء مكوثهم في صعيد عرفات من هبوب رياح قوية جدا تسببت في تطاير تباسي الاكل التي طبخها الحجاج لتناول وجبة الغداء ما بين خيام الحجاج ، والاخرى الظروف الصحية التي ادت الى وفاة عددا من الحجاج نتيجة اصابتهم بوباء ( كما كان يقال شوطه) خلال فترة الحج وكيف تعاملت الدولة مع ذاك الوباء ولطف الله ببقية الحجاج وسلامتهم ، ودهس احد اصحاب عربات الكرو احد الحجاج بدون قصد اثناء السير ليل حيث كان ذلك الحاج ممتد في الطريق غفر لهما
•وذكر لي والدي رحمه الله انه في اواخر السبعينات واوائل الثمانينات الهجرية يوم الثامن من ذي الحجة في احدى السنوات شعر بحنين كبير للحج فطلب الله ان يكتب له الحجة ويسهلها مع الاهل ولم يشعر يوم التاسع من ذي الحجة الا وكل الظروف تتهيأ له بأمر الله وتكتب له حجة من أجمل الحجج وأسهلها لقد كان الحج امره سهل فمتى توفرت لك السيارة والسكن في المشاعر سهل الله لك كل الامور الاخرى
•عندما بدأت السيارات تنتشر اخذ الناس يستأجرون سيارات اللوري او الأتوبيسات التي تحمل عدد (٤٥) راكبا او الأتوبيسات (الباصات) التي كانت تعرف بالهاف (اي ان عدد ركابها نصف عدد ركاب الأتوبيس الكبير) ومثال ذلك اهل المعادي من حارة البحر في جدة في زمن الشيخ حسن بكر رحمه الله كانوا يجتمعون سويا ويذهبون من بيت بكر وبيت عبد العاطي وبيت عبد الجواد وبيت حجازي واتى معهم محمد علي خليل وابنه محمد في احدى السنوات كما ذكر لي ذلك عم يوسف سعيد حجازي
•في عهد الملك فيصل وانا في المرحلة الابتدائية امتدت اجازة الحج أكثر من اسبوعا بسبب انتشار الكوليرا حسب ما سمعنا بين فئة من الحجاج والحمد لله تأكدت الدولة من سلامة الحجاج من انتشار هذا الوباء بين الحجاج او الاهالي
نعود بالذاكرة الى فترة التسعينات الهجرية لأكون شاهدا على الحج في اوائل التسعينات ومنتصف التسعينات
وخصوصا قبل تشيد كبري الجمرات وبعد تشيد المرحلة الاولى من كبري الجمرات
الاستعداد للحج
لم يكن في السابق حملات او مؤسسات خاصة لحجاج الداخل تخصص لهم مساحات او مخيمات او هناك حاجة الى اخذ تصاريح للحج مثل ما نشاهده منذ سنوات بفضل التنظيمات التي وضعتها دولتنا الرشيدة حفاظا الى اعطاء الفرصة لمن لم يسبق له الحج من داخل المملكة او خارجها
كان من يرغب الحج اما يمتلك سيارة تستوعب افراد اسرته او يذهب الى موقف سيارات مكة المكرمة في كيلو اثنين في جدة لاستئجار سيارة من الموقف مقابل مبلغ معين من المال ويتفق مع صاحب الباص او السيارة على اليوم والوقت المحدد للذهاب الى مكة ويكون مرافقا لهم في كل مراحل الحج حسب الاتفاق
بعد استئجار البيت تبدأ مرحلة شراء الاحرامات وخياطة الملابس النسائية وتكون غالبا من اللون الابيض مع اخذ ما يحتاجون خلال ايام الحج من مأكل ومشرب وملبس وادوية
وتمضي الايام ويأتي يوم الرحيل لمكة فتجد اللون الابيض يكسو اجساد الحجاج ملبيين مكبرين سائلين الله ان يسهل حجتهم متجهين الى مكة لأداء طواف القدوم ثم الاتجاه الى السكن في منى
قد يتم استئجار سكن مناسب في منى قريب من الجمرات بحيث يسهل للحاج ان يخرج من البيت الى الجمرات التي تكون امامه خاصة قبل تشييد اول كبري للجمرات بعض الوقت من خلال البحث عن السكن المناسب بالسعر المناسب
هذا ما فعله والدي رحمه الله في اواخر الثمانينات واوائل التسعينات عندما استأجر الدور الارضي لاحد المنازل التراثية التي كانت موجودة في منى امام الجمرات مباشرة (امام الجمرة الصغرى) بحيث تستطيع ان ترمي الجمرات في سهولة وييسر لوجود والدي ابي واحد الاصهار وابناؤهم فجلست النساء والفتيات سويا والرجال والفتيان سويا منفصلين كل له مكانه الخاص
كان الحج جميلا وسهلا مقارنة بالوقت الحاضر
تجمع باعة النقل (المكسرات او ما يقال لها النثيرة من لوز وجوز وحمص وقعقع وبندق وزرنباك وصنوبر وفول سوداني وفصفص وحلاوة لوزية وحلاوة ليمونية وحلاوة عسلية وغيرها) والعصيرات عند روشان ذلك البيت الذي استأجره والدي وكنا نشتري منهم ونتفرج من الروشان على الذاهبين والعائدين من رمي الجمرات
كان بعض اهالي جدة يطلعون الى المشاعر المقدسة وخصوصا في منى للزيارة والتمشية وينزلون في نفس اليوم
كان يذهب والدي للمجزرة في مكة لذبح الهدي وكانت الوالدة رحمها الله ومن معها من السيدات تقمن بعملية الطبخ واعداد الوجبات في داخل السكن
اتذكر ان والدي رحمه الله احضر كبدة جمل من المجزرة وتم طبخها واكلها وسبحان الله كان لها طعما ومذاقا مميزا
من المشاهد العالقة في ذهني في حجة اوائل التسعينات قبل بناء جسر الجمرات تلك المرأة الكبيرة في السن التي تحمل حذاء وتضرب به الشاخص المقام لإحدى الجمرات
في عام ١٩٧٤ للميلاد الموافق ١٣٩٤/١٣٩٥ للهجرة تم تشييد اول كبري لرمي الجمرات لتخفيف الزحام المتزايد
كتب الله لي اداء اول فريضة حج وسكنا في شارع الحج كان كبري الجمرات يقع خلف السكن ولكن شاهدنا في ذلك العام اضغاف الحجاج الذين شاهدناهم من قبل
لا تختلف الاستعدادات عن الاستعدادات السابقة.
اتذكر الكباري المؤقتة الحديدة الخضراء اللون التي شيدتها الدولة في مكة تقريبا عام ١٣٩٧/ ١٣٩٨ للهجرة لتسهيل الحركة المرورية
كما اتذكر في صعيد عرفات اثناء الوقفة انتظارا للنفرة سمعنا صوت بنت تبكي بصورة متواصلة سألوا اهلها عن سبب بكاءها فقالوا بسبب الالام في اسنانها
كان صاحب السيارة الجمس التي استأجرها الوالد رجل كبير في السن من اهل مكة اعتقد من بيت الشبيلي وهم اساسا حسب ما سمعت انهم من جدة رحلوا قبل عقود الى مكة وقد يكون من اهل حارة المظلوم
نعود للبنت التي تبكي بلطف الله كان معنا قارورة من دهان ابو فاس وضع ذلك الرجل قطرات من ابو فاس في كوب ماء وقال لأهلها اجعلوها تتمضمض بها عدة مرات
دقائق معدودات تغير حال تلك البنت الصغيرة وذهبت الالام بفضل الله وقدرته وتبدلت الآمها الى ضحكات وسرور وفرح اهلها بسلامتها ونفرنا جميعا على من عرفات الى مزدلفة للمبيت
نفرنا ووصلنا الى مزدلفة ورغب الوالد رحمه الله ان نكون في المقدمة حتى يسهل علينا عند مغادرتها في وقت الصباح نكون من اول المغادرين الى منى
ولكن الذي حدث ان رجالات المرور كلما وقفنا في مكان يأمرونا بجميع الاساليب بالتحرك الى الامام حتى وجدنا أنفسنا في منى في حوالي الساعة التاسعة مساء تقريبا ولولا لطف الله وان مالك السيارة كان يعرف طرق المشاعر لما رجعنا مرة اخرى الى مزدلفة ولكن بعد ساعات من الالتفاف مرة اخرى والعودة الى مزدلفة بجهد الجهيد وبفضل الله اولا واخيرا وكان معنا ابناء اخي يوسف رحمه الله لازالوا صغار السن
ورجعنا الى مزدلفة قبل منتصف الليل ووقفنا حتى وقت الشروق وتوجهنا الى منى ونحن متعبين منهكين وبفضل طريقة صاحب السيارة لم ينفذ البنزين حيث كان يطفئ السيارة كلما توقف المسير ثم يشغلها إذا تحرك موكب السيارات وهكذا
رمي الجمرات عبر جسر الجمرات
مع الساعات الاولى لبدء رمي الجمرات ذهبت مع ابي رحمه الله لرمي الجمرات كنا نشاهد مجموعات من البشر تسير سويا من جنسية او جنسيات متعددة متضامنة مع بعضها البعض نحو الجمرات الدخول بينها صعب وخطير والاصعب والاخطر ان تسير امامها فأي تباطء من الانسان قد يعرض نفسه الى ملا تحمد عقباه وخصوصا إذا وكلك كبار السن للرمي نيابة عنهم لصعوبة مقدرتهم السير في ذلك الزحام الذي يتزايد كل دقيقة
الافضل السير خلفها فإنها تفسح الطريق لك للوصول الى هدفك وهذا ما فعله والدي اثناء رمي الجمرات في الذهاب والاياب
اما اخي يوسف رحمه الله عند رميه الجمرات تعلق فيهم رمى معهم وخرج معهم وسلم مزاحمتهم
هذه المجموعات احدى اسباب الوفيات التي حدثت في الماضي اثناء رمي الجمرات تتقابل وتتواجه ويحدث التزاحم وحالات الوفاة
لم نستطع الذهاب الى الحرم لطواف الوداع فأفتى رجال الدين الذين تخصصهم الدولة للإفتاء للحجاج لوالدي انه نستطيع النزول الى جدة على ان نعود قبل نهاية شهر الحج لطواف الوداع ففعلنا ذلك
هذا ما جادت به ذاكراتي
بواسطة :
 0  0  3343
التعليقات ( 0 )
أكثر

جديد الأخبار

افتتح القنصل العام لجمهورية لبنان بجدة – السيد/ وليد منقاره وبحضور عدد من المسؤولين ورجال الاعمال ووجهاء واعيان محافظة جدة ورجال الصحافة والإعلام..

للمشاركة والمتابعة

جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 05:49 مساءً السبت 9 صفر 1442.

تصميم وتطوير  : قنا لخدمات الويب

Powered by Dimofinf CMS v5.0.0
Copyright© Dimensions Of Information.

صحيفة سعودية وحاصلة على ترخيص رسمي من وزارة الثقافة والإعلام.تعمل في مجال الإعلام الإلكتروني كل مافي هذه الصحيفة خدمة لكم ،، ونسعى للأفضل ،، جميع الحقوق محفوظة للصحيفة