• ×
الجمعة 1 صفر 1442 | 1442-01-28

فنان كفيف في عزبة شيوخ

فنان كفيف في عزبة شيوخ


اعداد: زكيه القرشي

الراوي: صالح المسند


الأسماء في القصة مستعارة حفاظاً على خصوصية أصحابها.
هذه القصة وقعت في منتصف التسعينات الهجرية منتصف السبعينات الميلادية في حارة الهنداوية حالياً، (حارة الشروق) بجدة. سابقاً
سكن بأحد بيوتنا الشعبية عزّاب من الجنسية الحضرمية وكانوا في أعمار متقاربة لا يتجاوز أكبرهم العشرين عاماً تقريباً، فكان إذا جاء الليل بدأنا نسمع الطرب والزمر من خلال عزبتهم، فالجماعة عاملينها وناسة للآخر، كنت حريص وقتها على تعلم العزف على آلة الكمان فقد كنت من محبي سماع معزوفات العازف عبود عبدالعال ولبيب حسن وكلاهما من لبنان بالإضافة لقائد فرقة الجيش بالطائف محمد الريس رحمهم الله.

لم أتعرف على هؤلاء العزاب من خلال كوننا ملاّك وهم مستأجرين لدينا بل كانت معرفتي بهم من خلال دكان العم جمعان والعم مبروك وهم كذلك كانوا مستأجرين غرفة من إحدى بيوتنا الشعبية وعاملين بها الدكان ، المهم كان هذا الدكان على مقربة من بيتنا وعلى مقربة كذلك من العزبة التي يسكنها هؤلاء العزاب الحضارم ، وكان أفراد العزبة يتناوبون على الذهاب لهذا الدكان لشراء علب التونة والساردين وجبن الكرافت وعلب الأناناس وغيرها وكانوا مهرة في طبخ الرز ، وكنا نشتم ريحة كشنة الطبيخ من مسافة بعيدة ونعرف أنها آتية من عزبتهم .

المهم بعدما تعرّفوا بي عزموني وأحضرت معي آلة الكمان وكانت ألمانية نوعها كارل هوفنر وكان لديهم عازف عود وآخر عازف ناي وكان الناي من النحاس الأبيض صوته شبيه بصوت آلة الكمان.
وآخر كان لديه إيقاع وكانت جميع أطراف أصابعه ملزقة بلزقة أجراح يظهر أن صاحبنا كان إذا أخذته الجلالة من الطرب وأستغرق في الانسجام نسي نفسه فتصبح أنامله تعزف من حالها آلياً.

جئنا لاختيار الأغاني التي سوف نقوم بآدائها بالجلسة، فكانوا يفضلون أغاني أبو بكر سالم بالفقيه على غيره رغم حبي لطلال مداح ولأغانيه منذ الطفولة، لكن قبلت بالوضع

تكررت الجلسات معهم واستطعت أن أحببهم في أغاني طلال مداح وعبد الله محمد رحمهما الله ولاحظت أنهم قد أعجبوا بأغانيهما وصاروا يؤدونها بإتقان ويرددونها بكل جلسة حيث لم يكونوا يعرفون عن تلك الأغاني ذات اللحن والإيقاع الجميل والكلمات الجميلة.

جاء شهر رمضان الكريم وتوقفنا عن الطرب لخصوصية شهر رمضان، وحينما قرب عيد الفطر علمت بأن الفنان أبو سند سوف يكون بجدة، فخطرت لدي فكرة وهي إحضار هذا الفنان للعزبة ليحييها ونعطيه ما تيسر، فهذا الفنان كنت على معرفة به منذ الطفولة ويكبرني بثمان سنوات تقريباً.
ذهبت للعزبة وطرحت الفكرة عليهم فقفز سالم وقال: كيف بايجي فنان كبير عندنا !!!! الفنانين الكبار ما بيروحوا الا لبيوت الشيوخ موب عزب في حارة.

سالم فاقد الأمل لكن عبود كان متفائل وقال: ياجماعة خلوا صالح يتصرف وهو أبصر، المهم اتفقنا بأن تكون الأجرة 900 ريال يحييها الفنان المذكور في إحدى أيام عيد الفطر المبارك وتكون سهرة تبدأ من بعد صلاة العشاء إلى ما بعد منتصف الليل، أجتمع المبلغ خلال يوم الظاهر الجماعة عملوا مساهمة فدخل في المساهمة جميع محبي الطرب والغناء من عزاب الحضارم بالحارة طبعاً هناك فنان كبير بايحضر وبايلقوها سمر ووناسة وشرح‏‎

سلموني المبلغ 900 ريال وفي آخر شهر رمضان جاء الفنان أبو سند لجدة وذهبت للدار التي نزل فيها وكانت ليست بعيدة عن دارنا ربما المسافة 500 متر تقريباً ، المهم طرقت باب البيت الذي هو نازل فيه فخرج لي ورحب بي كثيراً وأدخلني للداخل وجلسنا نتحدث عن بعض ذكرياتنا الجميلة وبعد انتهاء حديثنا أخبرته بأن هناك أحد الشيوخ يريد إحياء سهرة فنية في قصره وطلب مني وبالتحديد إحضارك يا أبو سند لإعجابه بصوتك الجميل ، رد عليّ قائلاً : أكيد سمعوا عن الجلسة الأخيرة لي فقد كانت كالصاعقة حينما نزل شريطها في الأسواق ، قلت في نفسي والله ما حد يعرفك إلا صالح المسند وكم ديناصور من المنقرضين المهم بلعتها ومشيتها له ، ثم عاد وسألني : كم المبلغ ؟؟ قلت أكيد مبلغ محترم لكن أنا لي جزء منه يعني إذا كان فوق الألف ريال فأنت لك 900 ريال والباقي لي علماَ بأني متأكد بان هذا الشيخ لن يدفع أكثر من 1000 ريال. وافق الفنان أبو سند واتفقنا أن تكون السهرة بقصر الشيخ ثاني أيام العيد. طبعاً المسألة ليست مادية لدى هؤلاء الفنانين فبعضهم يهمه السمعة أنه غنى لدى الشيخ الفلاني حتى لو عاد من تلك الحفلة بدون شيء يكفيه فقط السمعة أنه غنى عند فلان.

جاء ثاني أيام العيد وذهبت بعد صلاة المغرب بسيارتي لبيت صديقنا الفنان أبو سند فوجدته متعطر ومرتب نفسه للآخر ولابس جاكيت أزرق وآلة العود بيده فقلت له: جاهز ؟؟ قال: نعم هيا بنا.

أخذته بسيارتي وأنا قد أخبرته مسبقاً بأن الحفل بقصر أحد الشيوخ بطريق مكة وهذا يجعلني لا أذهب به مباشرة لبيت العزاب حيث المسافة قصيرة لا تأخذ دقائق فلا بد لي أن أجعل وصولنا لدار العزاب بعد مدة تزيد عن الربع ساعة أقل شيء كي يشعر بالفعل بطول المسافة فصرت أدور به بشوارع الهنداوية ثم شارع الميناء ثم عدت به لبيت العزاب ، فقلت له : وصلنا قصر الشيخ هيا تفضل وأنزل ، نزل وفتحت باب البيت الشعبي الذي به العزاب ودخلت به للبيت وأخذت أقوده في ممرات البيت عدة مرات كي يشعر أنه يسير داخل قصر كبير وبعدها ادخلته للغرفة التي بجوار باب البيت مباشرة فهي غرفة نوم ومطبخ ومجلس ولا يوجد غيرها سوى دورة مياه صغيرة ، طبعاً الجماعة في العزبة أخبرتهم بأن يتقيدوا بتعليماتي التي تشعر هذا الفنان بأنه داخل قصر وبجواره فرقة موسيقية وأمامهم الشيخ يستمع لهم ، بدأ الفنان أبو سند يطنطن بأوتار عوده وحوليه أصحابنا اللي بالعود واللي بالنأي واللي بالإيقاع المهم جلسنا واستمتعنا بذلك الطرب الجميل وجاء موعد التوصيل فقمت وأركبته بسيارتي وذهبت به لداره فنسيت أن أدور وألفلف به بشوارع الهنداوية لتطول المدة فوصلنا خلال دقائق لبيته فقلت له : أنزل وصلنا الدار رد وقال : معقولة وبهذه السرعة !! دوبنا ياهو ركبنا السيارة !! المهم أنزلته من السيارة وقلت له هذا الباب عسعس عليه فأنت أدرى بباب بيتكم، فأخذ يتلمّس الباب بيده وقال: صحيح والله بس كيف وصلنا بهذه السرعة العجيبة، رديت عليه وقلت آخر الليل الشوارع فاضية وأنا أسير بالسيارة بسرعة عالية فانطلت عليه وخرجت من المأزق.



بواسطة :
 0  0  1897
التعليقات ( 0 )
أكثر

جديد الأخبار

افتتح القنصل العام لجمهورية لبنان بجدة – السيد/ وليد منقاره وبحضور عدد من المسؤولين ورجال الاعمال ووجهاء واعيان محافظة جدة ورجال الصحافة والإعلام..

للمشاركة والمتابعة

جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 02:38 مساءً الجمعة 1 صفر 1442.

تصميم وتطوير  : قنا لخدمات الويب

Powered by Dimofinf CMS v5.0.0
Copyright© Dimensions Of Information.

صحيفة سعودية وحاصلة على ترخيص رسمي من وزارة الثقافة والإعلام.تعمل في مجال الإعلام الإلكتروني كل مافي هذه الصحيفة خدمة لكم ،، ونسعى للأفضل ،، جميع الحقوق محفوظة للصحيفة