• ×
السبت 9 صفر 1442 | 1442-02-07

من وحي الذكريات

من وحي الذكريات

من وحي الذكريات
الجزء الأول


اعداد. زكيه القرشي
الراوي-ردة الحارثي

كل إنسان لا يخلو من يوم بل أيام في حياته لها بصمة في ماضي جميل تحمل معها كل ما هو جميل من الذكريات التي تمر به.......
فمن ذكرياتي التي لا أنساها عندما كنت في اتمام المرحلة الابتدائية عشتها في ريف بدوي يبعد عن الطائف بما يقارب مئة كليو متر
كنا نعيش في تلك الفترة بين الزراعة ورعي الأغنام مع اصطحاب كتبنا في تلك الفترة للمذاكرة مع أبناء القرية في سباق مع المذاكرة والتحصيل العلمي من أجل الحصول على اعلى الدرجات في الامتحانات الشهرية التي كانت تجرى لنا على مدار العام والتي غالبا ما كنت وبدون تعالي احصل فيها من أعلى الدرجات بين اقراني في تلك الحقبة الزمنية ولدي من شهادات الشكر والتقدير الكثير التي لازلت احتفظ بها إلى يومنا هذا و اذكرها في تلك الايام الجميلة التي كنا نقضيها ما بين الحقول الغناء والمياه التي كانت تجري بين الشعاب المحيطة بقريتي من الا مطار التي كانت تهطل على مدار العام حيث كان سقوط الأمطار شبه يوميا وتمتلئ منه الآبار التي كانت مصدر الشرب لنا في ذلك الوقت وكنا نغترف الماء منها بالطاسة وهي ممتلئة بالماء فضلا عن ما كانت النساء يحضرون الماء بالقرب على ظهرهن من تلك الآبار و من غزارة الأمطار التي كانت تهطل علينا . لك أن تتخيل الأودية التي تحيط بنا قد لبست حلة خضراء متباهية في تمايل اشجارها وزهورها...... وتلك السنابل التي كأنها تتراقص على صوت قيثارة غنت لها اصوات الرياح بكل لحن.... وما خرير المياه والجداول التي تبعث في النفوس الصفاء والنقاء في طهر ومحبه والفة بين افراد المجتمع .... الا لتحيي النفوس وتجدد روح العمل
وما تلك الاهازيج التي كانت تتغنى بها النساء عند الحصاد ونحن ما بين مساعدتهم في جمع مايصرمونه مستمتعين بتلك الحياة التي وان كان فيها كثير من العناء الا أننا كنا نجد فيها المتعة والسعادة.
وكنا عندما نعود للقرية عند أذان المغرب حيث لا يوجد في المنازل إضاءة سوى الفوانيس التي يستخدمها كل أفراد العائلة وهو فانوس وحيد في كل بيت ... حيث كانت تعبأ بالقاز او ما يسمى بالكيروسين وهذا هو مصدر الانارة الذي كنا نذاكر عليه ونحل واجباتنا تحت تلك الإضاءة الخافتة...
وعند العشاء نذهب للصلاة فيما أجد امي قد جهزت العشاء عبارة عن ارغفة من خبز يعمل على صاج دائري له يد طويله تسمى(المجرفة) وقليل من اللبن. ثم بعد تناول العشاء نخلد للنوم لاستقبال يوم جديد حافل بالعمل اما في الرعي او المساعدة في المزارع.
كما لا يفوتني ايه القاري ان اصور لك تلك البيوت التي كنا نسكنها من الحجر والطين والفراش عبارة شملة من نسيج صوف الأغنام والغطاء بشملة اخري كانت تلك الاغطية تصنعها النساء من اصواف الاغنام وهو ما يلائم منطقتنا لأنها بارة جدا في فصل الربيع ....
فكم انا سعيد عندما كنت انام بجوار جدتي لأمي رحمها الله وأجد فيها حنان الام والجدة. وأتذكر عندما كنت اذهب للمدرسة التي كانت تبعد عن قريتي نحو خمس كيلومتر مشيا على أقدام حافية في يوم كله ضباب لا تكاد ترى زميلك الذي امامك حاملين تلك الحقائب البسيطة التي كانت توزع علينا احياننا من المدرسة أو نشتريها....... ونقضي يومنا الدراسي في جو بارد ليس على اجسامنا الا اثواب قد اهترأت. لا تدفء اجسامنا الصغيرة الا ان التعود على تلك الأجواء كان دافعا على تحمل كل الظروف.

لكن العلم في ذلك الوقت كان قويا ليس بالمهترئ كحاله الآن على يد معلمين من جنسيات مختلفة من وطننا العربي وأكاد اجزم انهم عباقرة زمانهم لما كانوا يحملون من الأمانة العلمية ورقي ثقافتهم وانني هنا أدين لهم بالفضل والجميل لما اسدوا لنا من كريم عطاءهم وعصارة افكارهم فجزاهم الله عنا خير الجزاء.

إلى أن تفاجئنا بخبر إجراء إتمام اختبارات الشهادة الابتدائية بمدينة الطائف. بالمدرسة السعودية التي لازالت قائمة إلى وقتنا الحالي بحي السلامة. ولك أن تتخيل ذلك الصغير القادم من البادية الذي لم يبلغ من العمر الثانية عشر من عمره ولا يعرف من حياة المدينة الا اسمها فكان وصولنا إلى مدينة الطائف بعد العشاء وانبهار ذلك الطفل القروي بأضواء المدينة التي لم يعهدها سوى الفانوس الذي كان يضيء له في قريته وتلك الشوارع وضجيج السيارات رغم قلتها.
وكان بصحبتنا مدير المدرسة واحد الفراشين وكانت تعتبر لنا بمثابة بعثة خارجية. حيث تم توزيعنا كلا يذهب إلى اي قريب له في مدينة الطائف والذي لا يوجد له قريب كان هنا يكن سكن معد من قبل الدولة اما انا فكان لي خال يسكن في حي الشرقية فأوصلوني إلى هناك. كان ذلك قبل الامتحانات النهائية بثلاثة أيام وكنا نتدرب يوميا على الذهاب من مقر سكننا إلى مقر المدرسة السعودية بحي السلامة حتى نتعرف على الطريق ذهابا وايابا على أرجلنا الحافية. إلى أن بداءنا الامتحانات النهائية في جو مهيب بمعنى الكلمة. والتي لازلت أتذكر هيبته عندما وزعوا علينا نموذج الأسئلة. في اول يوم واعين المراقبين ترصدنا يمنة ويسرة ولك انت تتخيل ذلك الجيل الصغير في جو مشحون بالرهبة على تلك الكراسي التي لا تكاد تختلف عن تلك الكراسي التي في مدرستي لان مدرستي تعتبر اول مدرسة في مبني حكومي. ولا زلت اذكر شخصا كان فيما يبدو هو المسؤول او مدير المدرسة في شخصية مهيبة يعطي تعليماته للمراقبين بعدم التهاون مع من يحاول الغش او الالتفات إلى زميلة بغية الحصول على معلومة. عرفته فيما بعد ذلك الشخص هو الاستاذ طاهر الزايدي لا أدرى ان كان ...حيا اطال الله عمره وان كان ميتا غفر الله له وما انتهينا من اليوم الاول الا وكأننا انجزنا شيء كبير زال بكل همه. وتوالت ايام الامتحانات سراعا طيلة اسبوع ونصف تقريبا عشناها فترة رهيبة قاسية ولازالت اروقة المدرسة السعودية في ذاكرتي وحوشها الكبير الذي كانت تحف به الأشجار كأن تلك الأشجار تظلل العلم واهله. وكنت كلما مررت بتلك المدرسة استعيد ذكرياتي في اول زيارتي لمدينة الطائف اتذكر نفسي عندما كنت صغيرا ادخل مع بوابة تلك المدرسة التي لم أعد لها بعد ذلك الامتحان الذي اجريناه فيها.
فكانت من أجمل ذكرياتي التي لا انساها. وما انتهينا من الامتحانات تم صرف مكافأة مقدارها (١٢٥) ريال كانت تصرف هذه المكافأة للمغتربين في تلك الفترة... وهذا المبلغ اول مبلغ بهذا الحجم امتلكه في حياتي لدرجة أنني كنت محتار لا أدرى ماذا اشتري به. لكنني قررت واشتريت ثوبا جديدا وشبشب اجلكم الله من خان البخارية وشماغ واشتريت لأمي ثوبا بدويا. عدت بعدها الى قريتي وكأنني قادم من خارج الوطن حاملا معي أجمل الذكريات خلال فترة مكوثي في مدينة الطائف. ولم نلبث سوى أسبوعين حتى وطلعت النتائج بنجاحي عبر الإذاعة وهذا اليوم ايضا يعتبر يوما فارقا في حياتي لا أنساه بمدى فرحتي بسماع أسمى في الإذاعة كان ذلك عند الساعة العاشرة مساء تقريبا حيث كنا نرابط عند الراديو حتى لا تفوتنا سماع الأسماء فكم كان ذلك اليوم خالدا في ذاكرتي وتلك الأيام في زمن تصعب فيها المعيشة الا أنها جميلة بجمال زمانها. وجمال اهلها في زمن جميل.

ولازال في الجعبة الكثير فانتظروني......

ردة الحارثي.
بواسطة :
 1  0  2768
التعليقات ( 1 )
الترتيب بـ
الأحدث
الأقدم
الملائم
  • #1
    ابو ايمن 1439-05-08 10:50 مساءً
    لعلي أشارك الأخ رده ذكرياته عن القرية في تلك المرحلة الزمنية والتي مررنا جميعا بما دونه عن الحياة في القرية والانتقال الى المدينة وكان يوما مشهودا دخولنا للمدينة الذي أصابنا بالصدمة الحضارية الأضواء ، السيارات وأصوات منبهات السيارات التي كانت تثير فزعنا.
أكثر

جديد الأخبار

افتتح القنصل العام لجمهورية لبنان بجدة – السيد/ وليد منقاره وبحضور عدد من المسؤولين ورجال الاعمال ووجهاء واعيان محافظة جدة ورجال الصحافة والإعلام..

للمشاركة والمتابعة

جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 01:44 صباحاً السبت 9 صفر 1442.

تصميم وتطوير  : قنا لخدمات الويب

Powered by Dimofinf CMS v5.0.0
Copyright© Dimensions Of Information.

صحيفة سعودية وحاصلة على ترخيص رسمي من وزارة الثقافة والإعلام.تعمل في مجال الإعلام الإلكتروني كل مافي هذه الصحيفة خدمة لكم ،، ونسعى للأفضل ،، جميع الحقوق محفوظة للصحيفة